السعيد شنوقة
139
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ويحق لنا أن نتساءل هل كان نفي العلم عن الله تعالى مبنيا على الاعتقاد بأن هذا العلم بالنسبة إلى الله تعالى يشبه العلم بالنسبة إلينا ؟ لقد ردّ بعض الدارسين بأن الله تعالى لا يعلم بقوة زائدة على ذاته تخرج إلى الفعل ونعد أفعالها ، وإنما هو سبحانه يعلم بذاته ويعلم في ذاته بكل ما سواه بحسب ما سواه فيها أي في وحدة وبساطة . يضاف إلى ما تقدم أن علم الله بالأشياء علم العلة لمعلولاتها لا معرفة الأشياء مغايرة للعارف وجودا وماهية « 1 » . وبهذا يتبيّن أن الله تعالى يعلم الأشياء باعتبارها علّة وجودها بماهيتها وأعراضها في حين أن علمنا نحن إنما هو علم بموضوعات تختلف عنا أو مغايرة لنا تعرض علينا من خارج « 2 » . لقد رأى المعتزلة الذات الإلهية واحدة وحدانية مطلقة غير منقسمة تعلم « كلها » وتقدر « كلها » مؤسسين رأيهم على التفكير المجرّد الذي خالف المعيّن المعهود « 3 » وذلك ليصلوا إلى بناء التوحيد على معتقدات نذكرها كما يلي : نفي الرؤية : نفى المعتزلة رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا والآخرة لنفيهم الجسمية ، ولمّا كان نفي التجسيم يدل على نفي الجهة فإن في هذا دلالة على انتفاء الرؤية . وإن
--> - عوارضها فإنها على هذا محسوسة أو متخيلة ، وإذا خلا الوجود من هذا العائق كان وجودا وماهية معقولة وكل ما هو مجرد بذاته عن المادة والعوارض فهو بذاته معقول ، والأول الواجب الوجود مجرد عن المادة وعوارضها ، فهو بما هو هوية مجرّدة عقل ، وبما يعتبر له أن هوية المجردة لذاته فهو معقول لذاته ، وبما يعتبر له أن ذاته لها هوية مجرّدة هو عاقل ذاته . وإن العاقل يقتضي شيئا معقولا ، وهذا الاقتضاء لا يتضمن أن ذلك الشيء آخر أو هو هو » . انظر الملل والنحل ، ج 2 ، ص 446 هامش رقم 1 . ( 1 ) « الماهية تطلق غالبا على الأمر المتعقّل مثل المتعلق من الإنسان وهو الحيوان الناطق مع قطع النظر عن الوجود الخارجي . والأمر المتعقل من حيث أنه مقول في جواب ما هو يسمى ماهية . ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة ، ومن حيث امتيازه عن الأغيار هوية ، ومن حيث حمل اللوازم له ذاتا ، ومن حيث يستنبط من اللفظ مدلولا ، ومن حيث أنه محل الحوادث جوهرا ، وعلى هذا الماهية الاعتبارية هي التي لا وجود لها إلا في عقل المعتبر ما دام معتبرا ، وهي ما به يجاب عن السؤال بما هو كما أن الكمية ما به يجاب عن السؤال بكم » . الجرجاني ، التعريفات ، ص 209 ، وص 250 ، طبعة دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط 1 ، 1405 ه . ( 2 ) انظر يوسف كرم ، الطبيعة وما بعد الطبيعة ، ص 162 . ( 3 ) انظر د . زكي نجيب محفوظ ، المعقول واللامعقول ، ص 273 - ، 274 وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 71 - 72 .